لكل أهل السياسة والإعلام: معيار المصداقية بين النصرة والأنصار
إب نيوز 2 نوفمبر
التعليق السياسي – كتب ناصر قنديل
تشكل المصداقية العنصر الحاسم الذي يسعى أهل السياسة والإعلام الى امتلاكه واقناع الرأي العام به، ويطرح الواقع العربي على كل الساسة والإعلاميين سؤالا صعبا في هذا المجال، هل يستطيع سياسي أو إعلامي أن يؤيد الحكم الذي نشأ عن انتصار جبهة النصرة في سورية، ويعارض سلطة أنصار الله في اليمن، وأن يقدم لهذا الاختلاف تفسيراً يقوم على معايير واحدة؟ بالتأكيد يستطيع أن يختلف في تقييم التجربتين، فليس مطلوباً أن تتطابق المواقف من حركتين تختلفان في النشأة والفكر والسلوك والتحالفات. لكن المصداقية تبدأ من القدرة على تفسير الاختلاف، لا من الاكتفاء بإعلان الموقف. فما معيار تصنيف الإرهاب؟ وما شرعية السلطة التي حمل كل طرف السلاح ضدها؟ وما شرعية وصوله هو إلى الحكم؟ وكيف نقارن المقاتلين الأجانب والتمويل والتسليح والسيطرة على السكان والموقف من فلسطين؟ والأهم، هل تبقى هذه المعايير ثابتة عندما تتغير أسماء التنظيمات وتحالفات الدول ومواقعها من الحكم والمعارضة؟
لنبدأ بالمرجعية الدولية في تصنيف الإرهاب، قبل الانتقال إلى التصنيفات الأميركية أو قرارات الدول منفردة. ففي الرابع عشر من أيار 2014 أدرج مجلس الأمن جبهة النصرة ضمن نظام عقوبات القاعدة وداعش، بما يشمله من تجميد الأصول وحظر السلاح والسفر. واستمر إدراجها، مع أسمائها اللاحقة ومنها هيئة تحرير الشام، حتى السابع والعشرين من شباط 2026، عندما قررت لجنة العقوبات الأممية شطبها بعد استلامها السلطة وتعهد الادارة الاميركية خوض حملة رفع العقوبات عنها بدافع الولاء السياسي، .أما أنصار الله فأدرجهم مجلس الأمن في الثامن والعشرين من شباط 2022 ضمن نظام العقوبات الخاص باليمن، لكنهم لم يصنفوا أمميا يوما كتنظيم إرهابي.
أما معيار شرعية السلطة التي جرى حمل السلاح ضدها، فيكشف اختلافاً دستورياً وسياسياً لا يجوز تجاهله. فقد بدأت جبهة النصرة قتال النظام السوري قبل انتخابات عام 2014، لكن النظام الذي قاتلته احتفظ بمؤسسات الدولة ونظم انتخابات رئاسية عامي 2014 و2021، وفق المواعيد الدستورية المعلنة. وهذه الانتخابات كانت موضع اعتراضات جدية على نزاهتها وحرية المنافسة وشمولها، لكن مشاركة السوريين النازحين إلى لبنان والمصنفين معارضين للنظام، جاءت بكثافة منحت لنظام شرعية أحرجت معارضيه اللبنانيين، بينما في اليمن، انتُخب عبد ربه منصور هادي عام 2012 مرشحاً توافقياً وحيداً لولاية انتقالية أصلية من سنتين، انتهت مدتها في شباط 2014 دون إنجاز الدستور الجديد أو الانتخابات الرئاسية التالية.
ثم نأتي إلى شرعية الوصول إلى الحكم. ففي كانون الأول 2024 وصلت هيئة تحرير الشام وحلفاؤها إلى دمشق بعد انهيار النظام السابق، وأُعلن أحمد الشرع رئيساً انتقالياً في كانون الثاني 2025، من دون استفتاء على دستور وانتخابات برلمانية أو انتخابات رئاسية شعبية مباشرة. وفي اليمن، سيطر أنصار الله على صنعاء في أيلول 2014، ثم توسعت سلطتهم، من دون أن يحصلوا هم أيضاً على تفويض انتخابي وطني عام.
في معيار المقاتلين الأجانب، قدّر معهد صوفان وجود أكثر من اثني عشر ألف مقاتل أجنبي بحلول حزيران 2014 وحده، قبل أن ترتفع تقديرات التعبئة الأجنبية خلال السنوات اللاحقة إلى عشرات آلاف المقاتلين. وقد أظهرت دراسة لمركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت استمرار دور وحدات أجنبية في الهجوم الذي أسقط النظام السابق. وفي المقابل، تشكلت القوة المقاتلة لأنصار الله أساساً من يمنيين، مع وجود دعم وخبرات أجنبية. وقد جعل الحصار البحري والجوي والرقابة على المنافذ إدخال أعداد كبيرة من المقاتلين الأجانب إلى اليمن أكثر صعوبة، وإن لم يمنع انتقال أفراد ومعدات وتقنيات. وهنا يبرز فرق بين ساحة شهدت تدفق عشرات الآلاف من المقاتلين الأجانب، وساحة فرضت ظروفها قيوداً شديدة على هذا التدفق.
وفي التمويل والتسليح، لا يكفي تسجيل أن الطرفين تلقيا دعماً خارجياً، بل ينبغي مقارنة الحجم والمنافذ والقيود والجهات المستفيدة. ففي سورية، شكّلت الحدود التركية والأردنية مسارين أساسيين لدعم فصائل المعارضة، ضمن شبكات شاركت فيها تركيا والسعودية وقطر والولايات المتحدة وأطراف أخرى. ووثقت دراسات دولية غرف تنسيق عسكري وشحنات سلاح وتمويلاً بمليارات الدولارات، وقد أقر رئيس الوزراء القطري السابق حمد بن جاسم بدعم مالي لإسقاط النظام السابق في سوريا بلغ مئات مليارات الدولارات، وفي اليمن، يكفي الحصار والرقابة على الموانئ والمطارات والشحنات لجعل طرق الإمداد مختلفة جذرياً عن البيئة السورية، كم تكفي معرفة الفوارق بين قدرة إيران على الدعم المالي مقارنة بدول الخليج.
أما حجم السكان والجغرافيا، فيكشفان الفرق بين الاعتراف بوجود سلطة فعلية والاعتراف بشرعيتها الديمقراطية. فالتقديرات المتداولة تضع نحو سبعين إلى ثمانين في المئة من سكان اليمن ضمن مناطق سيطرة أنصار الله، وفي سورية، بقيت هيئة تحرير الشام محصورة في منطقة ادلب، وبقياس كل العناصر السابقة يصبح الاستناد الى ارضية داخلية للنفوذ والسيطرة راجحا بقوة لصالح أنصار الله، بينما الإسناد الى الدعم الخارجي السيسي والبشري واسليحي والمالي واضحا في حالة النصرة.
تأتي فلسطين معياراً مستقلاً في تقييم المواقف السياسية، لا بديلاً من الشرعية القانونية أو حقوق المواطنين. فقد أعلن أنصار الله ربط عملياتهم ضد إسرائيل والملاحة في البحر الأحمر بالحرب على غزة، ونفذوا هجمات بالصواريخ والمسيّرات، مع ما أثارته الهجمات على السفن التجارية من انتقادات قانونية ومخاطر على البحارة والمدنيين. أما الحكم السوري الجديد بقيادة الشرع، فقد تخلى عن شعارا دعم غزة قبل أن يعلن وقف إطلاق النار فيها، ورفض أن يسمح بأي عمل يستهدف أمن اسرائيل رغم استمرار الضربات الإسرائيلية والتوترات المتعلقة بالأراضي السورية.
ولا تكتمل المقارنة دون حقوق المواطنين. فقد وثقت تقارير دولية انتهاكات في مناطق حكم أنصار الله، شملت الاعتقالات التعسفية والتضييق على الحريات وعرقلة العمل الإنساني، لكننا لم شهد مجازر جماعية رافقت توسع انتشار الأنصار في مساحة اليمن، كتلك التي وثقتها المراجع الأممية في منطقتي الساحل والسويداء مع توسع سلطة النصرة.
بعد هذه المقارنة، خلاصة بسيطة واضحة تقول، مهما كانت معاييرك فأنت لا تستطيع ان تكون داعما للنصرة وعدوا للانصار، تمجد النصرة وتذم الأنصار، وتشتري من ناس شهادة بالمصداقية، لأنك إما منافق او مرتزق.