الاحتواء لقاح الرّوح ..

 

ليست أجسادنا فقط من تفتقد تلقيحات لمقاومة الأمراض المعدية و غيرها بل إنّ الأرواح هي الأخرى تفتقر للتّحصين ، فنحن نجهل تارة و نغفل أخرى ثقافة هي من صميم العقيدة المحمديّة القرآنيّة الإسلاميّة ، نتغافل عن ثقافة تحصينيّة ، هي مصل و لقاح مقاوم و قوي ، و هو الأجدر و هو الأنجح و الأنجع في تحصين الرّوح و النّفس ، و حين تؤتي ثمارها نحصل على تحصين أجسادنا من كمائن و شباك شياطين الإنس و الجن ، تلك الثقافة المغيّبة في أعراف و عادات طغت على الخلق النّبوي المحمّدي الشّريف ، و الذي وصف فيه اللّه ( تعالى ) سيّدنا محمّد( صلّى اللّه عليه و آله) بالرّحمة فقال :” و ما أرسلناك إلّا رحمة للعالمين ” فابتعد الرّجال عن مفهوم الرحمة زِنة الجبال ففهموا الرّجولة ( بتفاوت ) بأنّها الغلظة و القسوة و رفع الصّوت و السّب و اللعن و البعض الضّرب و استعراض العضلات ، و بأسماء مستوحاة من عُقد العظمة، و الأنا المتضخّمة ألغوا :” فبما رحمة من اللّه لنت لهم ، و لو كنتَ فظّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك ” ، و هنا الانفضاض من الحول معناه التّبعثر الذي يصاب به المجتمع جرّاء استغفال و تهجير اللين ، و استبداله بالعنف و الاستقواء ، و حين أبدأ بالقول باسم الرّجولة ذلك لأنّ الرّجل هو المخاطب و المعنيّ الأوّل بالخطاب القرآني ، و هو قائد زمام مبادرات الاحتواء التي لن تكون بالقسوة و الغلظة و العنف سواء مع بني جنسه من الرّجال أم مع حواء الأمّ و الزّوج و الأخت و البنت ، و حتّى الغريبة ،،
و لعلّ الاحتواء لحواء هو ما أريده من هذه المقالة و لعلّه الأنسب لمفهوم الاحتواء باعتبار آدم هو اللبنة الأولى والمؤسس للأسرة و ربّها الذي لو أتقن فن احتوائه لحواء ما انحرفت باعتبارها اللبنة الثانية في تكوين الأسرة أو الشّريك المؤسّس معه ،،
السّؤال : ما الدّاعي لتعظيم هذه الأمور و فتح مواضيع بعيدة عن مواجهة العدوان ؟! لتكون الإجابة : إنّ الحرب النّاعمة حين أجريَت في المجتمعات لم يكن في يدها بوق يصيح : ها أنذا قد أتيتُ فاحذروني و تحصّنوا ضدّي ، لكنّها مرميّة من على بُعد قارات عبر الأثير إلى كلّ بيت و ربّما كلّ نفس ، و كم حرفت من نفوس اقتربوا منها بخطوات بسيطة فما رأوا أنفسهم إلّا وسطها ، هذه الحرب هي جزء رئيس من الحرب الميدانيّة بل هي من يسند الحروب الميدانيّة ، و هي ما لن ييأس العدوّ العمل بها ليل نهار في غير توانٍ، و لا يمكن التّغافل عن خطورتها و قد انتشرت القصص التي تشيّب الشّعر ، و الحكايا التي ما كانت على البال ، و لا تخيّلناها تحدث في مجتمعنا يوما، و قد سمعنا عن علاقات مشبوهة ، و كلام مشبوه، و مواطن شبهة حتى اشتبهت ، و تراكمت ، و تقاتلت، و اصطدمت في أنفسنا علامات التّعجب مع الاستفهام و التنّكر والاستغراب ، و صُدمنا بكثير ممّن كنّا نحسبهم رموزا للقيم ؛ فخيّم الصّمت عجبا ، و بكت الروح أسفا على مجتمع يكاد ينشقّ و ينسلخ عن قضاياه و إيمانه و قيمه ، و أهم قيمه و هي العفّة المضمونة في : ” عفّوا تعفّ نساؤكم ” ، عفة رجاله قبل نسائه ، فالرّجل ليس بالضّرورة أن يكثر المواعظ ليزرع العفّة بقدر ما يتعامل بها سلوكا و مذهبا و ذهابا بين النّاس ، بمعنى أنّ مبدأ القدوة هو أنجح أسلوب لتربية أمّة بأكملها ، تلك التّربية التي يشترك فيها الرّجل و المرأة و يتقاسمون المسؤوليات ، و لكنّ الأساس و البذرة و البداية تكون من عند الرّجل ، و ما يؤكّد أنّ الرّجل هو قائد زمام كلّ المبادرات لتربية المجتمع على الفضيلة و القيم القرآنيّة هو ذلك الاعتناء و التقصّد من الخالق في مخاطبة النفس للذّكور بتضمين النّهي للإناث في معرض خطاب الذّكور ، مثلا حين يقول (تعالى ) مخصّصا واو الجماعة بالخطاب :” ولا تقربوا الفواحش ماظهر منها و مابطن ” ، ” و لا تتبعوا خطوات الشيطان ” ، و غيرهما من عشرات الآيات التي فيها الخطاب للذكور و احتواء ذلك للإناث ليس تصريحا و إنّما تضمينا ، و اللّه من قال : ” الرّجال قوّامون على النّساء ” ، و لنرَ قصص الأنبياء فكلّ الأنبياء رجال و لم تكن امرأة( قط ) ّ نبيّة ، لكنّها تحت جناحه هي أمّه و أخته و زوجه و بنته ، و كلّهنّ لم يتحرّكن لرفع لواء الإسلام إلّا اتباعا للأنبياء ، و إن كان منهنّ أنموذجا نادرا لمن زاغت و لم تستقم و قد أقيمت عليها الحجّة ولكنّها ما استوعبت الإيمان و ظلّت في غيّها فكانت من الغابرين (زوج نبي اللّه لوط ) ، بينما نرى سيّدنا يوسف الذي تحوّلت امرأة العزيز( الغريبة عنه ) إلى مؤمنة عفيفة حَسُن إخلاصها ، و قُبِلت توبتها على يديه ، و كلّه لم يكن إلّا بثقافة الاحتواء لها حين كان قدوة في عفّته ما أغناه عن كلّ بيان رغم عناية المرأة و تخصيص و تركيز دورها هنا على الإغراء الذي انهزم بثباته و رقابته للّه، مع أنّ الإغراء هو بمثابة فيروس قاتل سريع التّنقّل ، و هو خطير يمكن تعريفه و توضيحه و إبرازه في قدرة امرأة واحدة على اختزال و إغراء ألف رجل لو سمح لنفسه بمجرّد الاقتراب منها كموطن فتنة و رمز إغراء لو كانت من فصيل : خضراء الدّمن ؛ و لهذا خوطب الرجال فكان : ” لا تتبعوا “، ” لا تقربوا ” ، و مع كلّ هذا ففي قدرة الرّجل أن يحرف بوصلة الفتنة في المرأة من وسيلة غواية إلى رمز و مدرسة و جامعة هداية ، و بسلوك سهل و في متناوله و ذلك حين يتفنّن و يتقن فن الاحتواء لها فسيحيي فيها الفضيلة و سيوجهها لمحاربة بنات جنسها اللواتي في الطّرف المضاد للفضيلة و ستنتصر المرأة الفاضلة على البغيّة فعين اللّه ترعى كلّ طهر و نقاء، و ناموس اللّه قائم على انتصار الفضيلة و الخير على الرذيلة و الشّر ، و هنا أجيال كاملة ستتبنّى قضايا الحقّ ، و كلّه بالاحتواء للمرأة مع القدوة ، فالرّجل متقدّم عليها في حكمة وبلاغة و إعجاز القرآن حتّى لو خصّص و ذكر المرأة كمخاطب فخطاب اللّه للرّجل متقدّم عليها :” قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم، و……، و ” ثمّ يلحق المؤمنات بعد المؤمنين بحرف العطف ، و العطف بمعناه النّحوي المرتبط بمعناه اللغوي الدّلائلي و الذي يعني الانضمام في الحكم مايوحي بتوحيد المصير فلو كانت استقامة للرّجل لكانت استقامة للمرأة ، و أكبر دليل على أنّ الرّجل هو المسؤول عن صلاح المجتمع قبل المرأة المسيرة القرآنيّة فقد بدأت برجل ( عليه أزكى السّلام ) ، هذا الرّجل أتقن فن الاحتواء للمجتمع بأكمله و هو من جيّش للحقّ و الفضيلة حتّى أغاض شياطين الإنس والجن، و هو من أسّس للمدينة الفاضلة بمسيرة القرآن و ما علينا إلّا أن نسير على خطاه و خطا حامل لوائه السيّد القائد / عبدالملك بن البدر الحوثي، الذي أتقن بدوره فن الاحتواء بصبره و سعة صدره و رجاحة عقله و نور بصيرته ، اسطاع أن يتربّع على عروش القلوب في الرّجال كما تربّع فينا نحن _ معشر النساء _ لتحسبوا كم امرأة قرآنيّة باتت ترى من السيد القائد: محمّدا و عترته ؟!
فيا معشر الرّجال : أتقنوا الاحتواء لنسائكم ، الاحتواء الذي ليس معناه انتقاص الرّجولة الذي يتشوّه معناها في اعتقادات مسبوكة في مقولات كــ :
“ما عاشت من تجي تفهمني “،
“و ما خلق الله المرأة التي تفرض شخصيتها عليّ و أنا فلان بن علّان “،
“و ما كنت رجلا لو استمعت لتوجيه امرأة “،
” و المرة مابش لها قول “، ” و المرة تبسر و تسكت “، والرّجّال حامل عيبه ” ، ” و أنا الرّجّال و ماعليش إلا تقلي حاضر ” ، و غيرها من توجيهات للمرأة لا تخرج عن : ما و لم و ليس ، و مثل ذلك الاستبداد ليس إلّا عجز و فشل الرّجل في احتواء المرأة ، الاحتواء الفكري الرّوحي العاطفي الذي يجعلها فيما بعد خاتما في إصبعه و عينا في جبينه و نبضا في قلبه ،،
احتووا نساءكم باللين و القدوة و الحبّ و الرّحمة بدلا من معاملتها كمجرم حرب و قسوة تخرج منها إمّا منحرفة أو منتقمة و مستعدة لأن تذبح رَجُلها على غير قِبلة ،
ابتعدوا عن التّهميش لها و توجيهها بالقمع و تجميد و تقزيم و حصر عاطفتها لوقت الغريزة ،
المرأة : مولّد لا ينضب من العاطفة و نهر لا يجفّ إلّا بجفاف معاملة الرّجل لها ، و يكون ذلك حين تفتقد المرأة حنان الأب و الأخ و الزوج و الابن فإنّها قد تبحث عن من يشبع تلك العاطفة المشحونة التي خلقت بها من ربّ العالمين و هو العالم بخلقه ،
اعلموا أنّه حين يقسو الأب و يغلظ القول لابنته فإنها تصعّر خدّها لأيّ توجيه و نصح و تربية ،
و حين ينصرف الرّجل لأفراغ همومه لصديقته الفيسبوكيّة أو التلجراميّة أو الواتسآبيّة و يخبرها بكل صغيرة و كبيرة تاركا زوجه تتمنّى كلمة منه و نظرة حنان و جملة مودة فإنّها ( لو لم تكن متشبّعة من أبيها بالحبّ و الحنان ) قد تلجأ لمن يسمعها ما يشبع عاطفتها ،
و أنّه حين يتغطرس الأخ بمجرد أن يتغير صوته ( إيحاء بالبلوغ ) و يبدأ بكبت أخته و ضربها و تجريحها بدعوى أنه يربّيها و أنّه رجل البيت بعد والده ، فإن ذلك يجعل منها بركانا مستعرا مستعدّا للانفجار ، و أنّه حين يوجد الولد العاق العاصي لأمّ قضت زهرة شبابها لتربيته طفلا فيتنكر لها و يغلظ عليها فربما تدعو عليه بما يهلكه ،
و لستُ ( هنا ) لأبرّر لأيّ انحراف للمرأة ، و لكنّي أتكلّم من خفقاتها ، و من بين أضلعها، و من ملح دمعها ، و أحاول أن أوصل صوتها الخجل و أحاول أن أضع نقاطا يتجاهلها و يستهين بها الكثير و يعدها من الأمور التّافهة التي من العيب و من غير اللائق أن يكون فيها مصارحة مفيدة متلمّسة لما فيه صلاح النّفوس و استقامتها ، و أمّا عنّي ( شخصيّا ) فقد رحل أبي نعم لكنّه مضى تاركا إرثا و كنزا و بحرا من الحبّ و الحنان والرّحمة التي رواني بها ما يجعلني أكتفي بها إلى أن ألقاه في مستقر رحمته ، كما أنّه أدّبني لا بكثرة مواعظه و تعنيفه لا ، و إنّما بكونه قدوة فلم يزدني خلقه و طهارته و عفّته و سلوكه و ثباته إلّا أن يزيد يقيني بأنّ محمّدا بن عبد اللّه لم يمت طالما و أبي اقتدى به ، فهذا أبي بشر عادي فكيف برسول ربّ السماوات والأرض ؟!
و كفى

أشواق مهدي دومان

You might also like