اتفاقية مكة” من منظور تاريخي
إب نيوز 14 أغسطس
بقلم/ إسحاق المساوى
في 7 أغسطس 2026، وقّعت ثلاث دول إسلامية (تركيا والسعودية وباكستان) على “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” في قصر الصفا بمكة المكرمة وسط تسويق دعائي غير مسبوق للحدث باعتباره “أبرز ترتيب أمني إقليمي” يشهده تاريخ العالم الإسلامي، انطلاقا من: “الروابط التاريخية الراسخة، وروابط الأخوة والتضامن الإسلامي، والمصالح الاستراتيجية المشتركة” حد تعبير البيان المشترك للاتفاقية.
السؤال الذي تجاهلته وسائل الإعلام العربية والإسلامية والعالمية، وتحمل الإجابة عليه من مشقاة الحياة،وضياع الفرص ما يستوجب على الباحثين والمهتمين تغافله: أي “روابط تاريخية راسخة” تجمع دولة الخلافة العثمانية بالدول السعودية الثلاث؟ وكيف يمكن استحضار “تاريخ مشترك” بين السعودية وباكستان، بينما باكستان لم تكن موجودة على الخريطة حين كان التأثير الوهابي يغذي شبه القارة الهندية؟
لا توجد روابط تاريخية بالمعنى “الوثيق”، بل إن ما يسمى “تاريخياً” هو في معظمه سجل من الاقتتال، والوصاية، وليس من التحالف والشراكة والأخوة. وبالتالي فإن اتفاقية مكة مشروع سياسي تركي لاستعادة النفوذ العثماني تحت عباءة “ملكية إقليمية” تلبسه السعودية لتأمين نفسها في لحظة ضعف إقليمي.
مع بداية القرن التاسع عشر، توسعت الدولة السعودية الأولى بسرعة، وهددت النفوذ العثماني في الحجاز والعراق. لم يتردد العثمانيون في الرد بإرسال أقوى حملاتهم العسكرية بقيادة محمد علي باشا وابنه إبراهيم باشا، والتي أسفرت عن سقوط الدرعية عاصمة الدولة السعودية الأولى في 1818. لكن الفصل الأكثر دموية في الذاكرة السعودية كان إعدام “الإمام عبدالله بن سعود” بقطع رأسه في الميدان العام بأسطنبول.
هذا المشهد، الذي يعد جرحاً عميقاً في الرواية السعودية، طُوي بصمت في البيان المشترك وكأنه لم يحدث. فأي “خط أخوة” يمتد من الأناضول إلى الحجاز يشمل في طياته دماء “أئمة” الدولة السعودية؟
بعد سقوط الدولة الأولى، وقيام الدولة الثانية، لم تكن العلاقة بين الطرفين شراكة، بل وصاية وفقا للرواية العثمانية على الأقل. أفرج العثمانيون عن أسرة آل سعود من سجونهم، وأعادوهم إلى نجد كحكام تحت “سيادة عثمانية رسمية” لا كدولة ذات سيادة. كانت إسطنبول تنظر إلى هذه المنطقة باعتبارها ولاية عثمانية. وكانت هذه “الوصاية” لا “التحالف” تتدخل كلما شعرت اسطنبول بأن الحكام المحليين يخرجون عن طوعها كما حدث مع فيصل بن تركي، بل وكانت هذه “الوصاية” تؤثر في صراعات الأسرة السعودية الداخلية، وهو ما وسم الدولة السعودية الثانية بالاقتتال الأسري العنيف بدعم العثمانيين.
ماذا يعني هذا تاريخياً؟ يعني أن العلاقة بين الطرفين، على مدى قرن كامل، كانت علاقة إمبراطورية بعدو أو “بتابع” وليست علاقة دولتين مستقلتين تتقاسمان الأمن والدفاع. غير أن الاتفاقية اليوم تتحدث عن “تعاون دفاعي وثيق” بين دول ذات سيادة متساوية، في حين أن التاريخ العثماني-السعودي لا يقدم نموذجاً واحداً للتعاون الدفاعي المشترك، بل يقدم نماذج من الحرب والتبعية. إن استحضار “الروابط التاريخية” هو عملية بناء شرعية الحاضر على أسس غائبة تماماً عن الواقع التاريخي.
إجمالا، إذا كان المنطلق التاريخي هو حاكم الاتفاقية، فإن النقطة الأكثر إثارة للدهشة هي استبعاد الهند من هذا التحالف، رغم أنها تمتلك من “الروابط التاريخية” مع السعودية ما لا تمتلكه باكستان.
التأثير العميق للدعوة التي قادها محمد بن عبد الوهاب بدأ في الانتشار في شبه القارة الهندية قبل نشوء دولة باكستان بقرن كامل. في مطلع القرن التاسع عشر، برز الداعية الهندي سيد أحمد بارلوي، الذي حج إلى مكة وتعرّف على “الوهابية” وتبناها، وعاد لينشرها في مدن مثل باتنا، بينما باكستان، كدولة ذات سيادة، تأسست عام 1947؛ لذا فإن الحديث عن “تأثير باكستان” بالمقياس التاريخي غير دقيق؛ لأن المنطقة التي تشكل باكستان اليوم كانت جزءاً من الهند البريطانية، وقد تأثرت بالوهابية ضمن الإطار الهندي ذاته. وبالتالي فإن الهند بتاريخها الممتد، وبنفوذها الاقتصادي الهائل (ثاني أكبر شريك تجاري للسعودية بحجم تبادل يفوق 41 مليار دولار في العام المالي 2024-2025) وبجالية هندية ضخمة في المملكة، قد تكون هي الأولى بهذا المقعد، وليس باكستان. فلماذا استُبعدت الهند إذاً الذي يفوق عدد مسلميها سكان باكستان؟
الهند ليست دولة إسلامية في هويتها الرسمية، وهذا يفسر التهميش، لكنه في المقابل يتناقض مع حلف تركيا “بالناتو” ويفضح أن منطلق “الأخوة الإسلامية” غطاء خطابيا لطموح جيوسياسي تركي، أفصح عنه مسؤوليها تعليقا على “اتفاقية مكة” بطريقة لم تتمكن من إخفاء النوايا.
نائب رئيس حزب العدالة والتنمية، كورشاد زورلو، لم يتحدث عن الأمن السعودي، لكنه قال بوضوح: “إن امتلاك العالم التركي لممرين متينين، من الشمال ومن الجنوب، سيعني بلا شك مزيداً من التنمية لتجارتنا وسياحتنا وشعبنا”. وأضاف: “هذا هو بالضبط ما نسميه “قرن تركيا” تركيا قوية في الداخل، ومؤثرة في الخارج، وأمل لجغرافيا قلوبنا، في إطار من الوحدة”.
أما وزير الخارجية التركي هاكان فيدان فقد ذهب إلى العمق أكثر، عندما قال: “المنطقة تعاني من عدم استقرار مستمر منذ خروج الدولة العثمانية قبل نحو قرن، والقوى الخارجية (المتنافسة) لم تحل المشكلات بل زادت من حدتها ورفعت تكلفتها. لذلك هناك حاجة إلى (ملكية إقليمية) أكبر، حيث تضمن الدول نفسها، أمنها واستقرارها الاقتصادي، وتنميتها من خلال هياكل مؤسسية دائمة”. حد قوله. بينما التصريح الأكثر دلالة، جاء عبر وكالة الأناضول نقلاً عن مسؤولين أتراك قولهم: “الاتفاقية لا تجر تركيا إلى صراعات أخرى، بل تدمج نفوذها الإقليمي وخبراتها مع الفاعلين الأقوياء في المنطقة”.
عند قراءة تصريحات المسؤولين الأتراك يتبدد أي شك حول الجوهر الحقيقي لاتفاقية مكة. فزولو يتحدث عن “قرن تركيا” وفيدان يقدم نموذح “الخلافة لإدارة المنطقة” ومسؤولي الرئاسة التركية، يطمئنون شعبهم: لن نغامر مرة أخرى، نحن ندمج الإرث التاريخي بنفوذ إقليمي”.
السؤال: إذا قامت أزمة حقيقية تتطلب تفعيل المادة الدفاعية، أيهما سيحضر في ذاكرة صنّاع القرار: “خط الأخوة الممتد من الأناضول إلى الحجاز” أم “مشهد إعدام عبدالله بن سعود” ومن من الجيل الجديد بالأسرة السعودية سيصبح نسخة من “خالد بن سعود” الدولة الثانية؟