«اليمن: حرب الزمن والمأزق البنيوي السعودي»

إب نيوز 31 أكتوبر

فهد شاكر أبوراس

لم تعد حرب السعودية على اليمن نزاعاً يمكن قياسه بعدد الغارات أو بحجم الأرض المحتلة أو بعدد الجبهات المفتوحة، بل تحولت إلى معادلة استنزاف استراتيجي طويلة الأمد، أدخلت السعودية في مواجهة ضد خصم لا يُقاس تفوقه بعدد الصواريخ أو بالطائرات المسيرة، بل بقدرته على إدارة الزمن وتحويله إلى عامل تفكيك بنيوي في الجبهة المقابلة، فالمأزق السعودي في اليمن اليوم ليس خسارة ميدانية عابرة، أو تراجعاً تكتيكياً قابلاً للتصحيح، بل هو مأزق بنيوي مركّب يجمع بين جمود لا ينتج حلاً، وإنهاك يضيّق هامش المناورة، وتراجع يقلّص دائرة الحلفاء، وتصدّع داخلي يهدد تماسك الجبهة الداخلية للسعودية، وفي هذا الإطار لم يعد اليمن مجرد طرف يقاوم عدواناً، بل تحول إلى فاعل استراتيجي يفرض قواعد جديدة للصراع.

لقد فهم اليمن مبكراً أن معركته ليست مع آلة الحرب السعودية وحدها، بل مع الزمن أيضاً، والزمن في هذا النوع من المواجهات ليس عاملاً محايداً، بل هو سلاح يذيب الاقتصاد، ويفكك الجيوش، ويستنزف التحالفات، ويُسقط الشرعيات، ويجعل الدول الكبرى تبحث عن مصالحها بدلاً من إنقاذ حلفائها، ولذلك فإن الرياض التي راهنت على حسم سريع للمعركة تجد نفسها اليوم مضطرة للتعامل مع حقيقة أن الحرب لم تعد مع اليمن فحسب، بل مع الوقت أيضاً، وأن كل يوم يمر يضيف إلى فاتورتها خسارة جديدة من دون أن يضيف إلى موقفها انتصاراً يذكر.

ولذلك فإن مأزق السعودية اليوم في اليمن لم يعد مأزقاً في الميدان فحسب، بل أصبح مأزق في البنية ذاتها، فالسعودية لم تعد قادرة على فرض إرادتها، ولم تعد قادرة أيضاً على الانسحاب دون ثمن، ولم تعد قادرة حتى على الاستمرار دون أن تدفع الثمن من رصيدها الداخلي والخارجي.

والسعودية في هذه الحالة تشبه من يحاصر نفسه بجدار يبنيه بيديه، فكلما حاول التقدم اصطدم بما بناه، وكلما حاول التراجع وجد أن الجدار صار جزءاً من موقعه، وهذا هو جوهر المأزق: أن الخيارات كلها مؤلمة، وأن التأجيل لا يُنتج حلاً بل يُنتج أزمة أعمق، فالوقت لا يعمل لصالح من راهن على الحسم السريع، بل يعمل لصالح من راهن على الصبر الطويل، واليمن يملك الجغرافيا التي ابتلعت الغزاة عبر التاريخ، ويملك الروح القتالية التي لا تُشترى، ويملك الاعتماد على النفس في تصنيع أدوات الردع.

ومهما امتلكت السعودية أدوات كثيرة إلا أنها لا تملك القدرة على شراء الزمن أو إيقافه، ولا تملك حصانة ضد تآكل الداخل، ولا تملك ضماناً دائماً لحلفاء يهرولون لإنقاذها إذا اتسع الخطر.

لذلك فإن مآلات هذا الوضع لا تقود إلى انتصار سعودي سريع أو حتى انتصار مؤجل، بل تقود إلى أحد مسارين لا ثالث لهما: إما هزيمة مُدارة يمكن أن تُصاغ ضمن تسوية تحفظ بعضاً من الهيبة وتوقف النزيف، وإما الاستمرار في الحرب والذي قد يفتح أبواباً لا تستطيع الرياض إغلاقها مستقبلاً.

إن استمرار رهان السعودية على الضغط والاستنزاف والمناورة، لن يوصلها إلى انهيار اليمن، بل إلى تزايد قدرته على الردع، واتساع دائرة استهدافه للعمق السعودي، وعندها سينتقل الصراع من كونه حرباً على الحدود أو في الداخل اليمني إلى كونه ضغطاً مباشراً على مقومات الدولة السعودية ذاتها، لا بمعنى الاحتلال أو السيطرة العسكرية التقليدية، بل بمعنى إحداث خلل مزمن في الاقتصاد والأمن والاستقرار الداخلي والثقة بالنظام، وهذا هو الخطر الوجودي الحقيقي، لأنه لا يأتي من جيش يعبر الحدود، بل من تراكم أزمات متشابكة تعجز الدولة عن احتوائها في الوقت المناسب، وحين تصل المواجهة إلى هذا المستوى، لن يكون ايقافها تنازلاً من اليمن، بل فرصة أخيرة للرياض قبل أن تنتقل من إدارة أزمة إلى إدارة خطر وجودي قد لا تملك أدوات احتوائه، فالحرب إذا دخلت عمق الدولة لم تعد معركة حدود، بل معركة بقاء، والبقاء لا يُشترى، بل يُصنع بالوعي والقرار والصبر، وكلها عناصر يملكها اليمن أكثر مما يملكها خصومه، فإما هزيمة سعودية تُدار وتُصاغ ضمن تسوية تحفظ بعضاً من الهيبة السعودية وتوقف النزيف، أو خطر وجودي لا يُدار غداً، والوقت يمضي، والمسافة لم تعد أكثر من خطوتين.

You might also like